«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا قبل ساعات من إعلان الجوائز

أفلام الهجرة نحو الأحلام الكبيرة بينها «الأوسكار»

لقطة من فيلم الهجرة «أنا كابتن» المُنتَظر أن يستوقف موضوعه لجنة التحكيم (مهرجان فينيسيا)
لقطة من فيلم الهجرة «أنا كابتن» المُنتَظر أن يستوقف موضوعه لجنة التحكيم (مهرجان فينيسيا)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا قبل ساعات من إعلان الجوائز

لقطة من فيلم الهجرة «أنا كابتن» المُنتَظر أن يستوقف موضوعه لجنة التحكيم (مهرجان فينيسيا)
لقطة من فيلم الهجرة «أنا كابتن» المُنتَظر أن يستوقف موضوعه لجنة التحكيم (مهرجان فينيسيا)

ساعات قليلة تفصل إعلان الدورة الثمانين من «مهرجان فينيسيا السينمائي» عن أسماء الأفلام والسينمائيين الفائزين بجوائز هذا العام. توقّعات النقاد والجمهور المُتداوَلة منذ يومين مثيرة للاهتمام، لكنها مجرّد احتمالات مبنية على حفنة أفلام أعجبت كل فريق، ومن المُحتمل جداً ألا تعجب لجنة التحكيم. وإذا حدث، فليس بمقدار واحد.

قليلة المرات التي يُجمِع فيها النقاد والجمهور ولجان التحكيم في المهرجانات الرئيسية على اختيارات مشتركة. ما يعجب هذا الطرف قد لا يعجب سواه، وغالباً لن يفعل. لذلك، ترخي النتائج إعجاباً متفاوتاً، من الموافقة الكلية إلى الرفض المُطلق. لكن لا شيء يغيّر واقعاً مكرّراً ومعتَمداً وواضح الأسباب.

الجمهور يودّ ما يسرّه، ويودّ النقاد ما كتبوا عنه إيجاباً، ولجنة التحكيم (بإدارة المخرج الأميركي داميان شازيل هذه المرة) لا تكترث عادة بما يرشّح الطرفان، متّخذة قراراتها بمنأى عن الجميع، وتتحمّل نتائجها تبعاً لذلك.

هجرة أولى

المؤكد أنّ المهرجان الإيطالي العريق الذي يحتفل هذا العام بميلاده الثمانين بات منصة انطلاق الأفلام المعروضة (أو بعضها على الأقل) نحو ترشيحات «الأوسكار».

لا ننسى أنه في مطلع هذا العام، انتقلت من فينيسيا إلى «الأوسكار» حفنة لا بأس بها من الأفلام التي فاز بعضها في الاحتفال السنوي الأميركي العتيد. من بينها فيلم أليخاندرو غونزاليز إيناريتو «باردو... مفكرة زائفة عن حفنة الحقائق»، وفيلم تود فيلد «تار»، وفيلم دارن أرونوفسكي «الحوت»، بينما حظي فيلم «أرواح إنيشيرين» لمارتن ماكدونا بـ9 ترشيحات، تلاه «تار» بـ6 ترشيحات، وكلاهما كان مرشّحاً لـ«أوسكارَي» أفضل فيلم وأفضل مخرج.

هذا، رغم أنّ الفيلم الفائز (كل شيء كل مكان في وقت واحد) لم يعرض في أي مهرجان رئيسي، بل شهد العرض الأول له في مهرجان أميركي صغير، هو «ساوث باي نورث وست».

الأفلام الحالية، التي يؤمَل قفزها فوق المحيط الأطلسي لتحطّ في ترشيحات «الأوسكار» للعام المقبل، كثيرة، من «قائد» الذي افتتح هذه الدورة، إلى «مايسترو» لبرادلي كوبر، و«برسيليا» لصوفيا كوبولا، و«أشياء مسكينة» ليورغاس لانثيموس، وصولاً إلى «الحدود الخضراء» لأغنيشكا هولاند، و«هِت مان» لريتشارد لينكليتر.

لهذه الأفلام حوافز وعناصر فنية ودرامية تجعلها قابلة للعيش في رغد الأيام الفاصلة بين الاحتفالين.

في فينيسيا، لم يبخل الجمهور من إسداء التحيات وقوفاً عند نهاية أفلام عدّة؛ 8 دقائق في نهاية فيلم «أوريجن» للأميركية أفا دوفرني، و6 دقائق عندما أُسدلت الستارة عن فيلم «هِت مان» للينكليتر.

الخيبات حضرت بدورها، منها فيلم رومان بولانسكي «القصر»، وفيلم بابلو لاراين «ألكونت»، و«دوغمان» للوك بيسون. حول الأخير، تختلف الآراء. بعض النقاد عدَّه رائعاً، لكن آخرين تحفّظوا عليه، مع ثنائهم على الحبكة والتمثيل.

كل هذا يؤكد صعوبة التوقّعات بالنسبة إلى جوائز هذه الدورة، ولو أنّ المرء يجرؤ على طرح اسم المخرجة الأفرو أميركية أفا دوفرني مرشحةً أساسية، إذا لم يكن لأفضل فيلم، فلأفضل إخراج أو أفضل سيناريو.

يؤيّد هذا الاحتمال، ولو على نحو محدود، حقيقة أنّ المخرجة هي أول سينمائية سمراء البشرة يَعرض لها المهرجان فيلماً في المسابقة. بادرة قد لا تعني كثيراً لآخرين، لكنها تكشف عن تقدير مُتبادل من المهرجان للمخرجة، والعكس.

«أوريجين» حول «أصل» العنصرية (مهرجان فينيسيا)

احتمال قوي

بعد عرض «حدود خضراء»، ومواجهة مخرجته أغنيشكا هولاند رياحاً ساخنة من حكومة بلادها واليمين البولندي، لتصويرها عنف شرطة الحدود وتعسّفهم ضد اللاجئين غير الشرعيين، بات من المتوقَّع أن يخرج هذا الفيلم بذهبية المهرجان (المسمّاة بـ«الأسد الذهبي»)، لا لموقفه فحسب، بل لجودته. في أسوأ الحالات، قد تُصيب المخرجة عين الأسد على صعيد أفضل إخراج. ويؤازر هذا التوقُّع ما واجهته من رد فعل اليمين البولندي الذي انتقد فيلمها، ووصفه بالبروباغندا النازية.

بعد عرضه، نجد المخرج الإيطالي ماتيو غاروني قد تصدّى لتقديم حكاية أخرى عن الهجرة غير الشرعية، موجّهاً اهتمامه نحو تلك الآتية من السواحل الأفريقية تحديداً.

«أنا كابتن»، بدوره، حكاية مؤثرة، لكن على جانب مختلف. بداية، هناك حقيقة أنّ البطولة منفردة وليست جماعية كما الحال في فيلم هولاند. الممثلون ليسوا محترفين، بينهم البطل سيدو سار، الذي سيقطع آلاف الأميال من موطنه من غرب أفريقيا للالتحاق بمجموعة أفارقة في مركب كبير ينطلق بهم نحو الجنوب الأوروبي. ينطلق الفيلم من هذا الشاب الذي قرر تحدّي الصعوبات، ليثبت أنها ليست مستحيلة.

الواضح أنّ الهجرة تؤرق فريقاً كبيراً من السينمائيين، تطرّقوا في السنوات العشرين الأخيرة إليها في أفلام فرنسية ومجرية وبولندية وألمانية وبريطانية وإيطالية. المخرج غاروني نفسه سبق أن قدّم عام 1996 (قبل تحوُّل الموضوع إلى موجة) فيلماً عن الهجرة، عنوانه «الأرض الفاصلة»، الذي يختلف عن هذا الفيلم في أنّ السابق تابع حدث الوصول إلى أوروبا من دون دخولها.

هنا يحيط بخلفية بطله، فنراه في عاصمة السنغال، داكار، يستعدّ للهجرة. لن يكون وحيداً، بل سيرافقه قريبه. كلاهما وفّر أقصى ما يستطيع من مال لتحقيق حلم اللجوء إلى أوروبا. لكن هذا المال يبدأ بالتبخُّر قبل اعتلاء الحافلة لنقلهما عبر الحدود إلى نيجيريا. إنهما، أسوة بآخرين، عرضة لأسماك قرش بشرية عند كل منعطف. في مشهد يحمل قدراً من التأثير، يقع رجل من الحافلة، وهي تدخل الصحراء، من دون توقُّف سائقها رغم نداء سيدو. لقطة للرجل وقد أصبح وحيداً فوق الرمال الشاسعة.

كل هذا وسواه يؤلّف الجزء الأكبر من الفيلم. هي رحلة موت، وفي أحسن الأحوال رحلة مجهول وخطر. بذلك، يُكمل الفيلمان («أنا كابتن» و«حدود خضراء») أحدهما الآخر، ومن دون موعد مسبق.

مشهد من «في أرض القديسين والخاطئين» والبحث عن استراحة (مهرجان فينيسيا)

هارب من الحياة

يحضر لجوءٌ مختلف تماماً، يمثّل حياة رجل هارب من المجتمع بحثاً عن مكان يريحه وقد يموت فيه. هو مصاب بطلق ناري ومُنهَك، والمكان الوحيد في تلك الأرض الممتدة نحو الأفق العريض، كناية عن كنيسة.

يردُ هذا في فيلم «في أرض القديسين والخاطئين» للمنتج السابق روبرت لورنز، من بطولة ليام نيسُن وعدد من الممثلين الآيرلنديين، لكون الأحداث تقع هناك. لا يبدأ الفيلم بالمكان المذكور، بل بتقديم شخصية فنبار (نيسُن) رجلاً محبوباً في بلدة صغيرة هادئة، يعيش فيها (أجمل قليلاً من تلك التي ظهرت في «أرواح إنيشيرين» لمارتن ماكدونا). وجوده هناك نوع من اللجوء، فبعد تركه الخدمة العسكرية امتهن القتل المنظَّم، والبلدة تجهل ذلك. لا يتخفّى بقدر ما يُخفي. وما يخفيه، بجانب حقيقة عمله، هم ضحاياه، عندما يفرض عليهم حفر قبورهم قبل إطلاق النار. يعرقل هذا السياق، خطٌ آخر، حين يدرك أنّ عليه مساعدة فتاة رأى علامات العنف على وجهها. هنا بداية تعقيدات ستشرح لماذا هو الآن مصاب ولاجئ إلى كنيسة، لعله يرتاح لبعض الوقت أو إلى الأبد.

الفيلم الذي حصد إعجاباً شديداً في الساعات الأخيرة من هذه الدورة هو «أصل» (Origin)، الذي يسحب من فيلم مخرجته آفا دوفرني السابق «سلمى» (2014) الحديث عن الصراع العنصري بين البيض والسود في أميركا اليوم. لا تفعل ذلك على نطاق تصوير حالات اجتماعية عامة، ولا وفق وقائع حقيقية، كما في ذلك الفيلم، بل تَحبِك قصّة عاطفية حول زوجين. هو شاب أبيض (جون برنثال) وهي شابة سمراء (أونجانيو إليس - تايلور)، ومن خلالها موقف المجتمع بين قبول قليل وممانعة واسعة. كل شيء يبدو عادياً في البداية، إلى أن تتطّور الحكاية تبعاً لمحاولة بطلة الفيلم تحقيق بعض طموحاتها الأدبية. نقطة الفصل هي عندما يطلب منها ناشرٌ وَضْع رواية مستوحاة من جريمة قتل رجل أسمر البشرة. قبل الشروع بذلك، تبدأ بالنظر حولها فاحصةً ما تحت رماد العلاقات الاجتماعية. ثم تغوص أكثر فأكثر (كما الفيلم) في واقع العنصرية، مدركة أنّ جذورها عميقة.

يقارن العمل بين عنصرية تشهدها الولايات المتحدة، وتلك التي شهدتها الحقبة النازية. لكن ذلك لا يقودها إلا إلى توسيع بحثها ليشمل نماذج وأمثلة وبلدان أخرى.

طموح دوفرني يأخذها بعيداً عن الحقائق، فالعنصرية لم تبدأ مع النازية، ولا يستطيع أحدٌ تحديد أي شعب مارسها قبل سواه. ومن الصعب أيضاً القول إنها نجحت في إنجاز عمل سيتبلور ليكون مرجعاً لموضوعه. ما يمنح الفيلم أهم علاماته هو التمثيل الجماعي والعاطفة الإنسانية التي تحرّك بطلته.


مقالات ذات صلة

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

يوميات الشرق رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)

ثيمة «العودة» تهيمن على أفلام «برلين»... حكايات مواجهة الذات والمجتمع

ثيمة العودة تتكرر كثيراً في أفلام المهرجانات والعروض التجارية كل عام.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق إحدى لوحات المعابد المصرية القديمة (لقطة من الفيلم - مكتبة الإسكندرية)

«باسششت»... وثائقي حول سيرة أول طبيبة من زمن «الفراعنة»

«باسششت... أول طبيبة مصرية»، سيرة تاريخية تعود إلى زمن المصريين القدماء (الفراعنة)، يجدد سيرتها ويلقي الضوء عليها فيلم وثائقي جديد أنتجته مكتبة الإسكندرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ساندرا هولر في «روز» (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 4... ساندرا هولر: هذه مرحلة فارقة في مهنتي وعليَّ حمايتها

يدور كلّ من «روز» و«أنجيلو» حول شخصيتين تبحثان عن القبول، وكلاهما يغوص في الماضي البعيد...

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق الممثل السعودي راشد الشمراني في أول حلقة من البرنامج (هيئة الأفلام)

«التاريخ الشفهي للشاشة العربية»... برنامج سعودي يوثّق ذاكرة السينما والدراما

«التاريخ الشفهي للشاشة العربية» برنامج سعودي ينطلق توثيقاً لتجارب رواد السينما والدراما العربية وصُنَّاعها عبر 40 حلقة حوارية

«الشرق الأوسط» (الدمام )

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».